لا تعدم تركيا وسيلة لاستهداف أكراد سوريا في محاولة منها للحيلولة دون قيام إقليم حكم ذاتي خاص بهم شمال شرق البلاد، ومن بين الإجراءات التي اتخذتها قطع المياه على أكثر من نصف مليون ساكن يعيشون في محافظة الحسكة وريفها، في وقت يواجه هؤلاء شبح تفشي فايروس كورونا المستجد.

واستخدمت تركيا في السنوات الماضية سلاح المياه للضغط على الأكراد والدول المجاورة من خلال إقامة سدود على ضفتي نهري دجلة والفرات اللذين ينبعان من أراضيها ويشكلان شريانا حياة بالنسبة للملايين من البشر في المنطقة. وحرصت تركيا من خلال العملية العسكرية التي أطلقتها في أكتوبر الماضي بشمال شرق سوريا ضد وحدات حماية الشعب الكردي على وضع يدها على إحدى أهم محطات المياه “علوك” خلال تمدد قواتها على طول الشريط الحدودي الرابط بين رأس العين (سرييه كانييه) من محافظة الحسكة وتل أبيض التابعة إداريا لمحافظة الرقة.
وتقع محطة علوك شرقي رأس العين وتقوم المحطة بتزويد مدينتي الحسكة وتل تمر وأريافهما بالمياه، وصولا إلى تخوم محافظة دير الزور، ناهيك عن مخيمات الهول والتوينا والعريشة، حيث يقطن عشرات الآلاف من السوريين والعراقيين والأجانب ممن كانوا يعيشون ضمن مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية قبل أن تنجح قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها الوحدات الكردية في دحر التنظيم وإعلان هزيمته في مارس 2019.
وتعمدت تركيا منذ فبراير الماضي وقف ضخ المياه من المحطة عدة مرات، آخرها في 29 مارس، الأمر الذي ينذر بكارثة إنسانية في المنطقة خاصة مع انتشار فايروس كورونا داخل الأراضي السورية، وما يستوجبه ذلك من إجراءات وقائية صارمة تعتمد أساسا على النظافة.
ولم تسجّل الإدارة الذاتية، حتى الثلاثاء، أي إصابة بفايروس كورونا في مناطقها، إلا أن وزارة الصحة السورية أعلنت عن 10 حالات إصابة بينها حالتا وفاة، وسط تأكيد مصادر أخرى على أن عدد الحالات أعلى من ذلك بكثير.
وتحاول الإدارة الذاتية الكردية بالتعاون مع بعض المنظمات الإنسانية توفير بدائل لتزويد المنطقة بالمياه عبر استخدام صهاريج بيد أن ذلك غير كاف. وذكر تقرير صادر عن مجموعة تشرف على تأمين المياه والصرف الصحي في شمال شرق سوريا، أن نقل المياه بالصهاريج يوفر أقل من 50 في المئة من احتياجات السكان، فضلا عن كلفته الكبيرة.
وقال أحد عمال الإغاثة إن المياه المنقولة بالصهاريج أدنى جودة بكثير من المياه التي يتم ضخها، ما يؤثر على توافر مياه الشرب.
ودفع هذا الوضع منظمات حقوقية دولية على غرار “هيومن رايتس ووتش” إلى إطلاق صرخة استغاثة منتقدة “تقاعس السلطات التركية على ضمان إمدادات مياه كافية لمناطق سيطرة الأكراد في شمال شرق سوريا بما يضر بقدرة المنظمات الإنسانية على تجهيز المجتمعات الضعيفة لحمايتها، في ظل انتشار فايروس كورونا المسبب لوباء كوفيد- 19”.
وقال مايكل بيج، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، الثلاثاء، “في خضم وباء عالمي يثقل كاهل أنظمة حكم وبنى تحتية متطورة، تقطع السلطات التركية إمدادات المياه عن المناطق الأكثر ضعفا في سوريا”، مطالبا أنقرة “بذل جهدها لاستئناف إيصال المياه إلى تلك المجتمعات فورا”.
وتقول السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية في شمال شرق سوريا إنها تواجه عقبات هائلة أمام محاولاتها وضع خطة استباقية لمواجهة فايروس كورونا. لم تتمكن من جلب إمدادات إضافية إلى المنطقة بسبب إغلاق الحدود مع إقليم كردستان في العراق. كما أن إلغاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التفويض بمرور المساعدات عبر معبر اليعربية في يناير، بسبب تهديد روسيا باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد القرار بأكمله، أثر على الإمدادات.
وكانت “منظمة الصحة العالمية” تستخدم معبر اليعربية بشكل رئيسي لتزويد منطقة شمال شرق سوريا بالإمدادات.

وتحاول تركيا تحميل الإدارة الذاتية والنظام السوري مسؤولية الانقطاع المتكرر للمياه من خلال ادعاء مسؤوليها أن الجهات المسيطرة على محطتي المبروكة (بريف الحسكة الغربي) وسد تشرين (بريف حلب) لتوليد الطاقة الكهربائية، منعت وصول الكهرباء إلى محطة “علوك”، الأمر الذي ينفيه الأكراد مؤكدين أن محطة المبروكة التي يتقاسمون إدارتها مع الحكومة السورية لا تخدم محطة الضخ كما أن هناك كهرباء كافية لتشغيل محطة المياه.
ويعتقد على نطاق واسع أن إقدام تركيا والميليشيات السورية الموالية لها على وقف محطة “علوك” لتزويد مناطق السيطرة الكردية بالمياه الهدف المباشر منه هو ابتزاز الإدارة الذاتية ومحاولة إجبارها على إمداد مناطق سيطرتهم بالكهرباء.
ويرى محللون أن الأمر لا يتعلق فقط بمقايضة الأكرد الكهرباء مقابل المياه، بل المسألة تتجاوز ذلك إلى محاولة تعطيش السكان هناك وجعل المنطقة غير قابلة للحياة. ويلفت المحللون إلى العملية العسكرية الأولى التي أقدمت عليها تركيا داخل الأراضي السورية في العام 2016، والتي أطلقت عليها تسمية “درع الفرات” نسبة إلى نهر الفرات حيث كان الهدف منها الحيلولة دون سيطرة الوحدات الكردية على جرابلس التي تقع على الضفة الغربية من النهر.
وتعتبر تركيا أكراد سوريا تهديدا وجوديا بالنسبة لها، وتزعم وجود صلات لهم بحزب العمال الكردستاني الذي ينشط على أراضيها والذي خاض معها صراعا مريرا على مدى عقود في سياق محاولته تحقيق حلم إقامة حكم ذاتي.
ويقول مسؤولون أكراد إن تركيا تعمد إلى خنقهم في وقت ينشغل المجتمع الدولي بمكافحة وباء كورونا، فهي إلى جانب تعمد قطع المياه عنهم في توقيت حساس، صعدت في الفترة الأخيرة من وتيرة قصفها لمناطقهم.
والأكراد الذين كانوا في صدارة الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية والتي كلفتهم الآلاف من الضحايا في صفوفهم وما يزالون إلى الآن يتولون تأمين الحراسة للآلاف من متشددي التنظيم وعائلاتهم نيابة عن العالم، يحسّون بخذلان المجتمع الدولي لهم مجددا من خلال التغاضي عن الممارسات التركية، التي ترقى وفق وصف المنظمات الحقوقية لجرائم حرب.
وحذر مسؤول منظمة “هيومن رايتس ووتش” من أن “قطع السلطات التركية المياه عن شمال شرق سوريا يضر بالمدنيين، لكنه قد يتسبب أيضا في عواقب سلبية على تركيا نفسها. وأنه ثمة حاجة إلى تدابير صحة عامة تحترم الحقوق للتصدي لفايروس كورونا؛ فلن توقف الحدود وحدها انتشار الوباء”.
وبلغت حصيلة الوفيات جرّاء كورونا في تركيا 168 مع تسجيل 10 آلاف و827 إصابة لكن تسري مخاوف من احتمال تدهور الوضع بشكل كبير.